عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
126
اللباب في علوم الكتاب
وعلى هذا فهل العموم باق ؟ منهم من قال : نعم وإن جميع الأشياء مثبتة في القرآن إمّا بالصريح ، وإمّا بالإيماء « 1 » . فإن قيل : كيف قال اللّه تعالى : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وعلم الحساب ، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم ، ولا تفاصيل مذاهب النّاس ، ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟ والجواب أن قوله « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » يجب أن يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها والإحاطة بها ، واعلم أن علم الأصول موجود بتمامه في القرآن على أبلغ الوجوه ، وأما تفاصيل الأقاويل والمذاهب ، فلا حاجة إليها . وأمّا تفاصيل الفروع فالعلماء قالوا : إن القرآن دلّ على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجّة في الشريعة ، وإذا كان كذلك فكلّ ما دلّ عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن قال تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . وقال عليه الصلاة والسلام : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي » « 2 » . وروي أن ابن مسعود كان يقول : « ما لي لا ألعن من لعنه اللّه في كتابه » « 3 » يعني : الواشمة والمستوشمة ، والواصلة والمستوصلة ، وروي أنّ امرأة قرأت جميع القرآن ثم أتته فقالت : يا ابن أمّ عبد ، تلوت البارحة ما بين الدّفّتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة ، والمستوشمة ، فقال : لو تلوتيه لوجدتيه ، قال تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ، وإن مما أتانا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن قال : « لعن اللّه الواشمة والمستوشمة » « 4 » . وقال ابن الخطيب « 5 » : يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب اللّه في قوله تعالى في سورة « النساء » حين عدّد قبائح الشيطان قال : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [ النساء : 119 ] فظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللّعن .
--> ( 1 ) الإيماء : هو الاقتران بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل ، كان بعيدا ، فيحمل على التعليل دفعا للاستبعاد ، وعرفه بعض الأصوليين بأنه : ما يدل على علية وصف لحكم بواسطة قرينة من القرائن ، ويسمى بالتنبيه أيضا ، وله ستة أنواع ، وقد جعله بعضهم مسلكا مستقلا ؛ لأنه لا يدل على العلية صراحة ، وبعضهم أدرجه تحت مسلك النص . ينظر : الإحكام للآمدي ( 3 / 56 ) ، مختصر ابن الحاجب ص ( 188 ) ، العضد ( 2 / 234 ) . جمع الجوامع ( 2 / 266 ) ، نهاية السول ( 4 / 63 ) ، شرح الكوكب المنير ص ( 511 ) ، التلويح ( 2 / 68 ) ، إرشاد الفحول ص ( 212 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ذكره الرازي في تفسيره 12 / 180 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) ينظر : الرازي 12 / 178 .